السيد علي الموسوي القزويني

383

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

بالأجرة ، ولا ينافي أخذها للإخلاص وقصد القربة لأنّهما معتبران في أصل القضاء لا في إيقاعه في المسجد ، والأجرة يستحقّها على إيقاعه في المسجد لا على أصل القضاء ، فداعيه عند الإتيان به هو امتثال الأمر بالقضاء خالصاً لوجه اللَّه الكريم ، وليس أخذ الأجرة داعياً إلى فعل القضاء بل إلى إيقاعه في المسجد فلا منافاة أصلًا . وإن كان كفائيّاً فقد يفصّل ويقال : بأنّه إن كان توصّليّاً أمكن أخذ الأجرة على إتيانه لأجل باذل الأجرة فهو العامل في الحقيقة ، وإن كان تعبّديّاً لم يجز الامتثال به وأخذ الأجرة عليه . وكلّ من شقّي هذا التفصيل منظور فيه يظهر وجهه بما نفصّله : وهو أن نقول : إنّ الواجب الكفائي على ما حقّق في الأصول لمّا كان من حيث الخطاب يجب على الكلّ ، ومن حيث السقوط يسقط عن الباقين بفعل البعض ، فهو بالنسبة إلى كلّ من وجب عليه يتضمّن حيثيّتين : إحداهما وجوبه عليه باعتبار كونه مخاطباً به ، واخراهما كونه مسقطاً للفرض عن غيره ، فهو من الحيثيّة الأولى لا يقابل بالعوض لأنّ المكلّف من هذه الحيثيّة مقهور عليه وليس من حيث وجوبه عليه محترماً ليقابل بالعوض . ولذا لا يتوقّف خروجه منه على رضاه وطيب نفسه . وأمّا من الحيثيّة الثانية فإسقاطه الفرض عن غيره منفعة قائمة به عائدة إلى الغير ، ففي قبوله أخذ الأجرة من هذه الحيثيّة ليكون الأجرة عوضاً عن المنفعة المبذولة للغير والعدم وجهان : من أنّ له أن يمتنع عن بذل منفعة الإسقاط . ولذا لو قال له أحد : أقدم على الفعل ليسقط الفرض عنّي ، كان له أن يعارضه بالمثل . فإذا جاز له الامتناع من بذل هذه المنفعة وليس لأحد إلزامه على بذلها جاز له أخذ الأجرة بإزائها . ومن أنّ هذه الحيثيّة غير منفكّة من الحيثيّة الأولى فالامتناع عنها امتناع عن الحيثيّة الأولى ، وليس له ذلك لما عرفت من كونه مقهوراً عليها فلا يجوز له أخذ الأجرة مطلقاً . والتحقيق أن يفصّل بين صورتي علمه بأنّه لو امتنع ولم يقدم على العمل لأقدم